الغزالي
186
إحياء علوم الدين
وكان عليه السلام [ 1 ] إذا مر بآية رحمة دعا واستبشر ، والاستبشار وجد ، وقد أثنى الله تعالى على أهل الوجد بالقرءان ، فقال تعالى * ( وإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ من الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا من الْحَقِّ ) * « 1 » وروى أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] كان يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل وأما ما نقل من الوجد بالقرءان عن الصحابة رضي الله عنهم ، والتابعين فكثير ، فمنهم من صعق ، ومنهم من بكى ، ومنهم من غشى عليه ، ومنهم من مات في غشيته ، وروى أن زرارة بن أبي أوفى ، وكان من التابعين ، كان يؤم الناس بالرقة ، فقرأ * ( فَإِذا نُقِرَ في النَّاقُورِ ) * « 2 » فصعق ومات في محرابه رحمه الله وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ * ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَه ُ من دافِعٍ ) * « 3 » فصاح صيحة وخر مغشيا عليه ، فحمل إلى بيته فلم يزل مريضا في بيته شهرا ، وأبو جرير من التابعين قرأ عليه صالح المري ، فشهق ومات وسمع الشافعي رحمه الله قارئا يقرأ * ( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) * « 4 » فغشى عليه ، وسمع علي بن الفضيل قارئا يقرأ * ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * « 5 » فسقط مغشيا عليه ، فقال الفضيل : شكر الله لك ، ما قد علمه منك وكذلك نقل عن جماعة منهم وكذلك الصوفية ، فقد كان الشبلي في مسجده ليلة من رمضان وهو يصلى خلف إمام له فقرأ الإمام * ( ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) * « 6 » فزعق الشبلي زعقة ظن الناس أنه قد طارت روحه ، واحمر وجهه ، وارتعدت فرائصه ، وكان يقوم بمثل هذا يخاطب الأحباب يردد ذلك مرارا . وقال الجنيد : دخلت على سري السقطي ، فرأيت بين يديه رجلا قد غشى عليه ، فقال لي هذا رجل قد سمع آية من القرءان فغشى عليه فقلت اقرؤا عليه تلك الآية بعينها ، فقرئت فأفاق ، فقال : من أين قلت هذا ؟ فقلت : رأيت يعقوب عليه السلام كان عماه من أجل مخلوق ، فبمخلوق أبصر ، ولو كان عماه من أجل الحق ما أبصر بمخلوق ، فاستحسن ذلك ويشير إلى ما قاله الجنيد قول الشاعر : وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
--> « 1 » المائدة : 83 « 2 » المدثر : 8 « 3 » الطور : 7 « 4 » المرسلات : 35 ، 36 « 5 » التطفيف : 6 « 6 » الاسراء : 86